ليس كل ضررٍ يُرى بالعين، ولا كل خسارةٍ يجبرها المال. فإن كانت الخسارة المادية تُحسب وتُثبت بالأرقام، فإن الضرر المعنوي الذي يمس السمعة والكرامة والطمأنينة يبقى أثره قائماً وإن عجزت الأرقام عن وصفه. وقد عالج نظام المعاملات المدنية السعودي هذه المسألة حين أقرّ صراحةً التعويض عن الضرر المعنوي.
لكن الإقرار بالحق شيء، وإثباته وتقديره أمام المحكمة شيء آخر. في هذا الدليل من عادل نتناول نطاق الضرر المعنوي في النظام السعودي، والخلاف الفقهي حول طريقة إثباته، وصور التعويض التي أجازها النظام، والمدة التي تسقط بها الدعوى.
هذا المقال يتعمق في الضرر المعنوي تحديداً. للاطلاع على الصورة الأشمل للتعويض بشقّيه المادي والمعنوي راجع: قضايا التعويض عن الأضرار المادية والمعنوية.
أساس المسؤولية: لا تعويض بلا أركان ثلاثة
إقرار التعويض عن الضرر المعنوي لا يعني أن كل ضررٍ يصلح بذاته سبباً للمطالبة، إذ لا بد أن يقوم على أساسٍ من المسؤولية. وقد قررت المادة (120) من نظام المعاملات المدنية هذا الأصل:
«كل خطأٍ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه التعويض.»
ومن هذا النص تتحدد أركان المسؤولية الثلاثة:
- الخطأ — فلا يكفي أن يقع الخطأ مجرداً من أثر.
- الضرر — ولا أن يتحقق الضرر منقطعاً عن فعل المسؤول.
- علاقة السببية — بل يجب أن يكون الضرر نتيجةً لذلك الخطأ حتى تستقر تبعته في ذمة من أحدثه.
مثال يوضح أهمية علاقة السببية
لو وضع شخصٌ السمَّ لآخر، ثم سبقه ثالثٌ فقتله قبل أن يسري أثر السم: فالتسميم خطأ، والموت ضرر — غير أن الموت لم يكن نتيجةً لذلك السم. فلا تقوم مسؤولية واضع السم عن الوفاة لانقطاع العلاقة السببية بين فعله والنتيجة.
نطاق الضرر المعنوي: من يستحقه ومن لا يستحقه
أقرّ النظام الضرر المعنوي صراحةً، إذ نصت الفقرة الأولى من المادة (138) على أن التعويض عن الفعل الضار يشمل التعويض عن الضرر المعنوي. ثم جاءت الفقرة الثانية لتحدد نطاقه بأنه:
ما يلحق الشخص ذا الصفة الطبيعية من أذًى حسيٍّ أو نفسيٍّ نتيجة المساس بجسمه أو حريته أو عرضه أو سمعته أو مركزه الاجتماعي.
لماذا لا تطالب الشركة بتعويض عن ضرر معنوي؟
يُفهم من هذا التحديد أن الضرر المعنوي قاصرٌ على الشخص الطبيعي دون الشخص الاعتباري؛ لأن مناطه الأذى الحسي أو النفسي، وهو ما لا يُتصور في الشركة باعتبارها كياناً نظامياً لا شعورياً.
ولذلك فإن الإساءة إلى سمعة شركة لا تُصنَّف — في الأصل — ضرراً معنوياً، وإنما قد تتخذ صورة ضررٍ مادي متى انعكست على مركزها التجاري أو ثقة العملاء بها أو قيمتها السوقية. وهذا تمييز عملي بالغ الأهمية عند صياغة الدعوى: فالشركة تطالب بضرر مادي مُثبت بأرقام، لا بضرر معنوي.
| المتضرر | نوع الضرر | ما يجب إثباته |
|---|---|---|
| شخص طبيعي | معنوي (ومادي إن وُجد) | الواقعة الماسة بالسمعة أو العرض أو المركز الاجتماعي |
| شركة / شخص اعتباري | مادي فقط في الأصل | انعكاس الواقعة على المركز التجاري أو ثقة العملاء أو القيمة السوقية |
الغاية من التعويض: جبر الضرر لا معاقبة المسؤول
أرست المادة (136) غاية التعويض حين نصت على أن يكون التعويض بما يجبر الضرر كاملاً، وذلك بإعادة المتضرر إلى الوضع الذي كان فيه أو كان من الممكن أن يكون فيه لولا وقوع الضرر.
فالتعويض لا يُقصد به معاقبة المسؤول، ولا إثراء المتضرر، وإنما ردُّ الخلل الذي أحدثه الفعل الضار إلى أقرب صورةٍ ممكنة من التوازن.
وقد أجاب الفقيه عبد الرزاق السنهوري في «الوسيط في شرح القانون المدني» عن الاعتراض القائل بأن الضرر الأدبي لا يقبل التعويض، ببيان أن الاعتراض مبنيٌّ على لبسٍ في فهم معنى التعويض: فليس المقصود محو الضرر وإزالته من الوجود — إذ الضرر الأدبي لا يُمحى بتعويضٍ مادي — وإنما أن يستحدث المضرور لنفسه بديلاً عما أصابه، فتبقى الخسارة ويقوم إلى جانبها كسبٌ يعوض عنها.
إشكالية الإثبات: كيف تُثبت ألماً لا يُقاس؟
تتجلى خصوصية الضرر المعنوي عند الإثبات؛ فهو ضررٌ داخلي أو اعتباري يمس الشعور أو السمعة أو المركز الاجتماعي، ولا ينضبط غالباً بوثيقةٍ أو رقم. ومن هنا ثار الخلاف حول طريقة إثباته.
الاتجاه الأول: وجوب إثبات الأركان الثلاثة كاملة
يرى أصحابه أن المادة (120) جعلت المسؤولية قائمةً على اجتماع الأركان الثلاثة، وأن الضرر المعنوي نوعٌ من الضرر لم يستثنه النظام. بل إن ألفاظ المادة (138) نفسها تشترط الإثبات في نظرهم: فقولها «يلحق» يفيد ضرراً واقعاً لا مظنوناً، و**«نتيجة»** قيدٌ سببي يربط الأذى بمصدره، و**«أصاب»** تدل على ضررٍ ثبت لا على ضررٍ يُفترض.
ويُعزز ذلك أن القاعدة العامة «البينة على من ادعى» لا استثناء منها إلا بنص، وأن المادة (84) من نظام الإثبات لا تُعفي من الإثبات إلا بقرينةٍ منصوصٍ عليها، ولا نص يفترض الضرر المعنوي.
الاتجاه الثاني: افتراض الضرر متى ثبت الخطأ
يرى أصحابه أن الضرر المعنوي وعلاقة السببية يُفترضان متى ثبت الخطأ، لأن طبيعة الفعل ذاتها تكشف عن أثره المعنوي؛ فالإساءة إلى السمعة أو المساس بالعرض لا تحتاج إلى إثباتٍ مستقلٍ لكل أثرٍ داخلي، وإلزام المتضرر بإثبات ما يقع في نفسه قد يجعل المطالبة عسيرةً إلى حد التعطيل.
ويُؤخذ على هذا القول أنه يُسقط ركن الإثبات من أساسه، ويصطدم بأن الافتراض القانوني لا يقوم إلا بنص، وهو ما لا يوجد في النظام.
الاتجاه الراجح: العبرة بمحل الإثبات لا بإسقاطه
الأقرب أن الخلاف بين الفريقين لفظيٌّ في كثيرٍ من وجوهه، وأن الصواب مسلكٌ ثالث: فالمتضرر مطالبٌ بالإثبات لعموم «البينة على من ادعى»، لكن العبرة بمحل الإثبات وطريقه لا بإسقاطه.
ذلك أن دعوى الضرر المعنوي لا تخرج عن أحد أمرين:
- إما أن نُكلّف المدعي بإثبات الحزن والألم في ذاته — وهو أمرٌ باطنٌ لا يطّلع عليه إلا صاحبه، ولا ينضبط بدليلٍ مباشر، فيكون التكليف به أقرب إلى الاستحالة وتعطيلاً لنصوص التعويض.
- وإما أن نُكلّفه بإثبات الواقعة الخارجية التي من شأنها عادةً أن تُنتج ذلك الأذى، كالتشهير أو القذف أو المساس بالسمعة — وهذا هو الموافق لطبيعة الإثبات القضائي.
فالقضاء لا يشترط الدليل المباشر على كل معنًى باطن؛ فالقصد، والعلم، وحسن النية وسوئها، كلها معانٍ داخلية تثبت استخلاصاً من الأفعال والقرائن وملابسات الدعوى. وإذا كان القضاء يستخلص نية القتل من ترصّد الجاني وتصويبه إلى مقتل، فاستخلاص الألم من واقعة التشهير أولى وأيسر.
ما الذي يُطلب منك إثباته عملياً؟
من يطلب التعويض عن تشهيرٍ لا يُكلَّف بإثبات حزنه في ذاته، وإنما يُكلَّف بإثبات:
- وقوع الواقعة (المنشور، الرسالة، التسجيل، الشهادة).
- نسبتها إلى المدعى عليه.
- محل المساس ومداه (السمعة، العرض، المركز الاجتماعي، ونطاق الانتشار).
فإذا ثبتت الواقعة الماسة بسمعته أو مركزه، جاز للمحكمة أن تستخلص وقوع الضرر المعنوي منها، لأن المساس بالسمعة يقع في عادة الناس موقعاً مؤلماً. وبهذا لا يكون الضرر مفترضاً بلا سند، ولا يُكلَّف المتضرر بالمستحيل، مع بقاء سلطة المحكمة في تقدير التعويض ومنع المبالغة فيه. وللمزيد عن أدلة الإثبات راجع: نظام الإثبات الجديد في السعودية.
صور التعويض: أبعد من المال
لا يقف التعويض عند الصورة النقدية وحدها، وإن كانت هي الأصل الغالب. فقد نصت المادة (139) على أن يُقدَّر التعويض بالنقد، على أنه يجوز للمحكمة — تبعاً للظروف وبناءً على طلب المتضرر — أن تقضي بالتعويض بالمثل، أو بإعادة الحال إلى ما كانت عليه، أو بأمرٍ معينٍ متصلٍ بالفعل الضار.
وتظهر أهمية ذلك في بعض صور الضرر المعنوي، إذ قد يكون الاعتذار العلني، أو حذف العبارة المسيئة، أو نشر التصحيح، أبلغ في جبر الضرر من المال وحده. ومن ذلك ما يقع في قضايا الإساءة عبر وسائل التواصل، حيث يكون الحكم بالاعتذار أو إزالة المنشور وسيلةً لإصلاح أثر المساس بالسمعة، لا مجرد جزاءٍ رمزي.
نصيحة عملية: بما أن هذه الصور معلّقة على طلب المتضرر، فمن الخطأ الاكتفاء بطلب مبلغ نقدي في صحيفة الدعوى إذا كان إزالة المنشور أو نشر التصحيح أجدى في حالتك. اطلبها صراحةً. وراجع: قضايا التشهير والسمعة على الإنترنت.
مدة سقوط دعوى التعويض
لم يترك النظام دعوى التعويض مفتوحةً إلى غير نهاية؛ إذ قيّدتها المادة (143) بمدتين:
| المدة | تبدأ من | الوصف |
|---|---|---|
| ثلاث سنوات | تاريخ علم المتضرر بالضرر وبالمسؤول عنه | المدة الأساسية |
| عشر سنوات | تاريخ وقوع الضرر | الحد الأقصى في جميع الأحوال |
وفي ذلك موازنةٌ بين حق المتضرر في المطالبة واستقرار التعاملات. وأثر ذلك عملي مباشر: التأخر في رفع الدعوى قد يُسقط الحق ولو كان الضرر ثابتاً.
أسئلة شائعة عن التعويض عن الضرر المعنوي
1. ما هو الضرر المعنوي في النظام السعودي؟ هو ما يلحق الشخص ذا الصفة الطبيعية من أذًى حسيٍّ أو نفسيٍّ نتيجة المساس بجسمه أو حريته أو عرضه أو سمعته أو مركزه الاجتماعي، وفق الفقرة الثانية من المادة (138) من نظام المعاملات المدنية.
2. هل يجوز للشركة المطالبة بتعويض عن ضرر معنوي؟ الأصل لا، لأن مناط الضرر المعنوي الأذى الحسي أو النفسي وهو ما لا يُتصور في كيان نظامي. لكن الإساءة إلى سمعة الشركة قد تتخذ صورة ضرر مادي متى انعكست على مركزها التجاري أو ثقة العملاء بها أو قيمتها السوقية، فتُرفع الدعوى على هذا الأساس.
3. كيف أثبت الضرر المعنوي أمام المحكمة؟ لا تُكلَّف بإثبات حزنك في ذاته، وإنما بإثبات الواقعة الخارجية التي من شأنها عادةً أن تُنتج الأذى: وقوع الواقعة، ونسبتها إلى المدعى عليه، ومحل المساس ومداه. ثم تستخلص المحكمة وقوع الضرر منها، كما تستخلص القصد والعلم من القرائن.
4. هل يشترط إثبات علاقة السببية في الضرر المعنوي؟ نعم، فالمادة (120) جعلت المسؤولية قائمة على اجتماع الخطأ والضرر وعلاقة السببية. فإذا انقطعت السببية بين الفعل والنتيجة لم تقم المسؤولية، ولو ثبت الخطأ وثبت الضرر كلٌّ على حدة.
5. هل يمكن أن يكون التعويض بالاعتذار بدل المال؟ نعم. أجازت المادة (139) للمحكمة — تبعاً للظروف وبناءً على طلب المتضرر — أن تقضي بالتعويض بالمثل أو بإعادة الحال إلى ما كانت عليه أو بأمر معين متصل بالفعل الضار، كالاعتذار العلني أو حذف المنشور المسيء أو نشر التصحيح. ويشترط أن يطلب المتضرر ذلك صراحةً.
6. ما المدة التي تسقط فيها دعوى التعويض؟ ثلاث سنوات من تاريخ علم المتضرر بالضرر وبالمسؤول عنه، وبمدة أقصاها عشر سنوات من تاريخ وقوع الضرر في جميع الأحوال، وفق المادة (143).
7. هل يُعوَّض عن الضرر المعنوي في القضايا الجنائية؟ المطالبة بالحق الخاص عن الضرر المعنوي ممكنة إلى جانب الدعوى الجزائية، ويبقى تقدير التعويض لسلطة المحكمة بحسب طبيعة الضرر وجسامة المساس. لعرض حالتك على مستشار قانوني يمكنك استخدام عادل.
المراجع
- نظام المعاملات المدنية، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/191) وتاريخ 29/11/1444هـ — المواد (120، 136، 138، 139، 143). هيئة الخبراء بمجلس الوزراء
- نظام الإثبات — المادة (84).
- عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، المجلد الأول.
- وزارة العدل — المملكة العربية السعودية
هذا المحتوى لأغراض تثقيفية فقط ولا يُعد استشارة قانونية. للحصول على مشورة قانونية متخصصة تناسب حالتك، تواصل مع عادل.